الأميرة أنستازيا رومانوف




دب الهلع و الذعر بين سائر أفراد عائلة القيصر نيكولاس رومانوف و هم يستيقظون مذعورين على صوت ضجيج الجنود الذين اقتحموا الكوخ الحقير الذي نقلت إليه عائلة

القيصر وطبيبهم و ثلاثة من الخدم ، على عجل ، بعد اندلاع الثورة البلشيفية. و أجبر جميع أفراد الأسرة على ارتداء ملابسهم بمنتهى السرعة ، بحجة نقلهم إلى مكان آخر أكثر امنا



كان ذلك فى السابع عشر من يوليو عام 1918 أى بعد اندلاع الثورة البلشيفية بعام و احد و بعد أن أجبر قيصر روسيا الأخير على التنازل عن العرش. فى تلك الليلة تم نقل أسرة القيصر رومانوف إلى مكان لا يستطيع اى بشري فيه مسهم بسوء، فقد تم إرسالهم إلى العالم الآخر بإعدامهم بعدما تم التنكيل بجثثهم لطمس معالمها.



فى البداية أجبرت أسرة القيصر مع خدمهم و طبيبهم على الاصطفاف جنبا إلى جنب ، و بغتة تلى عليهم حكم الإعدام و قبل أن يستوعب أحدا ما يحدث كانت نيران البنادق تخطف الأرواح الإحدى عشرة من الصدور بكل وحشية وهمجية بحيث لم ينج أحد من هذه المجزرة.و تم شحن الجثث بعجلة إلى شاحنة لدفنها غى مكان مجهول، و فى المكان المخطط للدفن تمت محاولة إحراق الجثث بإلقاء البترول عليها حتى يستحيل على أيا كان التعرف عليها فيما بعد ، و لكن المحاولة لم تنجح لرطوبة الجثث و لعجلة الجناة ، فتم تمزيق الجثث بألقاء الأحماض عليها ثم دفنها فى مكان ظل مجهولا لأكثر من سبعين عاما. بعد هذه المجزرة بفترة قليلة انتشرت قصص غريبة عن اختفاء جثة اناستازيا – ابنة الامبراطور الصغرى ، و بأنها نجت بطريقة ما من هذه المجزرة .و أشيع أن الحكومة السوفييتية قد جندت كل امكانياتها للبحث عن الأميرة المفقودة في مساحة تمتد من بحر البلطيق وحدود رومانيا حتى سيبيريا وكان البحث كبيرا فدوهمت البيوت وروقبت المستشفيات بل و حتى الغابات و الطرقات.

وهناك قصة تذكر ان شخصين ممن استدعوا للمساعدة في نقل الجثث الي الشاحنة انحنيا على جثة مليئة بالدم لاحدى الأميرات الصغيرات وهي اناستازيا كانت ماتزال على قيد الحياة و كانت تئن من شدة الألم ، بطريقة ربما حركت شفقتهما ، وعلى الرغم من انه كان يبدو مشكوكا انها ستعيش بسبب الجرح الكبير في رأسها فقد لفها الحارسان برفق بملاءة وحملاها باتجاه الشاحنة ،ولكنهما بدلا من وضعها هناك مع باقى الجثث وبعد ما تأكدا من ان لا أحدا يتبعهما ، اسرعا في الظلمة الي أول بيت صغير في اول السهل وهناك وضعا اناستازيا على الفراش وغادرا راجعين بسرعة قبل ان ينتبه احدا لغيابهما .
ولدت أنستازيا في قصر بترهوف بسانت بطرسبورغ ، في الخامس من يونيو/حزيرانِ 1901، كَانَ لها عينان زرقاوان ُ، و شَعر بني فاتح رفيع ورقيق، وكان لها أنف حسّاس مثل أمِّها. قال بعض أقاربها: بأِنَّه كان من الممكنُ أنْ تُصبحَ ذات جمال حقيقي عندما تكَبر. كانت فتاة ذكية ، ولكن كان يعتريها الكسل والخمول أحيانا . كان معلموها يعجبون من سرعة تعلمها حيث كانت تتعلم بسرعة تفوق سرعة أخواتها الأكبر سنا ، لكنها سريعة الضجر وتجد صعوبة في التركيز على دروسها . كانت تملك حس الدعابة حتى أن العائلة كانت تنهار من شدة الضحك بسبب نكاتها المضحكة ، ولم يكن أحد يسلم من لسانها السليط وملاحظاتها الساخرة ، وكانا من أحد طرقها لجذب الإنتباه. كان لها من الإخوة ثلاثة من البنات و صبي واحد كان يصغرها سنا و لكنه الأقرب إليها. 


و الواقع أن أسطورة " أناستازيا " بدأت حين أدعت إمرأه شابة تدعى" أنا أندرسون" أنها الابنة المفقودة لقيصر روسيا الأخير و ظلت هذه المرأة حديث الصحف منذ حاولت الانتحار عام 1919 بالقفز من فوق أحد كباري برلين حتى وفاتها فى عام 1984 دون أن يتمكن أحد من نفى أو إثبات صحة دعواها على وجه اليقين .

و قد حولت السينما العالمية قصة أناستازيا إلى أسطورة حين أنتجت فيلما رومانسيا عام 1956 عن الأميرة المفقودة "أناستازيا" ، ابنة ووريثة عرش قيصر روسيا الأخير . و فى هذا الفيلم تقوم " ماريا فيدروفنا" جدة أناستازيا ، والتى كانت تحيا منفية فى كوبنهاجن ، بوضع سلسلة من الاختبارات حتى تتثبت فعلا من أن إحدى الفتيات اللواتى يدعين أنهن أناستازيا - و هم كثر - هى فعلا حفيدتها ، و ينتهى الفيلم نهاية سعيدة بتقبلها لأناستازيا كحفيدة لها.

و لكن فى الحقيقة نفت ماريا فيدروفنا و كل أعضاء العائلة الأحياء أن يكون أيا من أبناء القيصر رومانوف لازالوا على قيد الحياة. و ما بين سطوة السينما و نفى العائلة نمت و تضخمت الأسطورة بحيث لم يعد أحدا يعرف الحقيقة.



و لكن حين خضعت هذه القصة لأعين علم الوراثة الباردة - على حد تعبير عالمنا الراحل الكبير د. أحمد مستجير- ظهرت المفاجأة الكبرى . فقد أمكن استخلاص دنا الميتوكوندريا الخاص ب "أنا أندرسون" من عينة أنسجة مختزنة بالمستشفى منذ عام 1979 أخذت بغرض إجراء تحاليل قبل إجراء جراحة و حفظت منذ ذلك الحين ، و تبين أن دنا الميتوكوندريا الخاص بها له تتابع مختلف تماماعن تتابع دنا أم القيصرة ، بما يقطع باحتيال " أنا أندرسون" و بأنها لا تنتمي من قريب أو من بعيد لأسرة القيصر " رومانوف" و من حسن حظها أنها قضت نحبها قبل التمكن من هذا الكشف .

إن جزيئات الميتو كوندريا الرابضة فى خلايانا تحتفظ باستقلاليتها الجينية عن باقى مكونات اجسادنا. و يحتوى جسم الإنسان على نحو 10 بليون حبيبة ميتوكوندريا ، و هى المسؤولة مسؤولية كاملة عن توليد الطاقة اللازمة لكل التفاعلات الحيوية فى خلايانا و بث الدفء فى عروقنا .و كل ما بداخل أجسامنا من حبيبات الميتوكوندريا يتم توريثها كلية عبر بويضة الام، فالحيوانات المنوية للذكر أصغر من أن تحوى حبيبات الميتوكوندريا ، و أجساد الذكور هى طريق مسدود فيما يختص بتوريث الميتوكوندريا. و هذا يعني أننا نستطيع بتعقب جينات ( دنا) الميتوكوندريا تتبع أثر أمهاتنا على نحو صارم و بالتالي إثبات أو نفي النسب للأم بصورة قاطعة. و هذا بالفعل هو ما حدث فى قضية نفى نسب أنا أندرسون بآل رومانوف ، رغم التعاطف العالمي معها بهذا الشأن.

و لكن بهذه النتيجة بقى لغز اختفاء أناستازيا معلقا و مثار تساؤلات فى كل مكان عن مصيرها ، فإن كانت أنا أندرسون محتالة فربما كانت أناستازيا لازالت تحيا مختفية فى مكان ما !



فى عام 1991 طيرت وكالات الأنباء فى كل انحاء العالم عن اكتشاف مقبرة جماعية فى غابة كوبيثكي خارج مدينة ياكترينبورج ،تضم رفات تسع جثث تحمل آثار الموت العنيف . تبين أن خمس منها تخص أفراد عائلة القيصر رومانوف .فقد بينت تحاليل فحص الحمض النووى ( دنا) بالعظم ان الرفات التى عثر عليها تضم رفات الإمبراطور و زوجته و ثلاثة من بناتهما فقط. فى حين ظلت هناك جثتين غائبتين . و هو ما زاد من البلبة حول موضوع الأميرة المفقودة " أناستازيا" مع شقيقها ألكسي ولى العهد الصغير. و هو ما كان بمثابة برهان جديد على أن اختفاء أناستازيا لم يكن أسطورة و إنما حقيقة. وهكدذا نمت الأسطورة و تضخمت.

وفي 29 يوليو عام 2007 تم اكتشاف جثتين جديدتين بمكان آخر يقع على بعد 70 ياردة من مكان الدفن الأول على طريق كوبتياكوف القديم الواقع في ضواحي يكاتيرينبورغ. وأكد التحليل الوراثي على أن الآثار التي تم العثور عليها من المكان الثاني تعود أيضا لاثنين من أفراد عائلة القيصر نيكولاس الثاني، وهما الأمير و الأميرة المفقودين. فقد استطاع العلماء بتتبع دنا شظايا العظام والأسنان للجثتين تأكيد أنهما من أبناء القيصر نيكولاس الثاني، هما ولي العهد أليكسي (13 عاما)، الابن الوحيد للقيصر ووريث العرش، و إحدى أخواته البنات. و هكذا عثر على جثث جميع أفراد عائلة آل رومانوف. و انتهت الأسطورة.



قيل أن مأساة العائلة بدأت بعد ظهور راسبوتين في العائلة حيث كان طبيبهم الذي سحرهم بسحرهـ وكان يريد السيطرة غير ان نواياه تم كشفها على يد احد اقرباء القيصر.. فقام بدعوة راسبوتين للعشاء ووضع له السم في طعامه غير أنه لم يمت
ثم اطلق عليه النار بمسدسه ولكنه أيضا لم يمتفقاموا بحرقه وأخذ يردد طلاسم مجهولة
قيل إنها كانت لعنة للقيصر وعائلته حيث قال راسبوتين بعدها (لن يعيش القيصر وعائلته بعدي طويلا)
وتحقق صدق ذلك ببداية الثورة البلشفية
كان الثوار في الثورة البلشفية في تلك الفترة
يسعون وراء آل رومانوف حين طُلب منهم الاختباء فيسايبيريا. وطلبوا منهم بعد 6 شهور النزول إلىالسرداب لأخذ صورة عائلية ولكن ذلك كان فخا. حيث سرعان ما نزل وراءهم 11 من الجنود البلشفيين وبدؤوا بإطلاق النار على العائلة بأكملها. مات نيكولا الأب وألكساندرا الأم بسرعة. أما الأمراء الصغار كانوا مضرجين بالدماء يتقلبون أرضا. تقول الروايات أن جثة أنستازيا كانت مفقودة حين أرادوا التخلص من الجثث.
وقال بعض الجنود أنهم أحرقوا جثتها هي وألكسي معا. ويُقال أن أحد الجنود
سحب أنستازيا للخارج وربما نهضت ونجت بحياتها.
قيل الكثير عن نهاية أنستازيا وادعت فتيات كثيرات بعد فترة من الزمن
أنهن أنستازيا لنيل الميراث الملكي، حيث أنها الوريثة الوحيدة للسلالة الملكية.
ولكن ثبت كذبهن جميعا.
قد لا نعرف حقيقة ما حصل لأنستازيا ولن نعرف ذلك أبدا..
وستبقى أنستازيا اسما للغموض الأبدي.

 

تعليقات

إرسال تعليق